القاضي النعمان المغربي
251
تأويل الدعائم
الظِّلَّ » « 1 » إنه إنما عنى بالظل هاهنا الليل ، ويقولون استظل الرجل بالشجرة وبالحائط وأشباه ذلك مما يظله من الشمس وأظله ذلك ، ويسمون الصّفة مظلة وظلة ، وكذلك كل ما أظل من الشمس ، والإظلال عندهم في وجه آخر الدنو من الشيء يقولون قد أظلك فلان وأظلك أمر كذا إذا قرب منه كأنه ألقى ظله عليه ويقولون لا يجاوز ظلى ظلك يعنى الدنو والقرب ، والظل أيضا عندهم بمعنى آخر ، يقولون فلان في ظل فلان إذا كان في حماه وكنفه ورفده وحريمه ، والعرش في اللغة سرير الملك ، والعرش أيضا في لغتهم ما يستظل به وجمعه عروش ، ويقولون للواحد من ذلك عريش ، وعرش الرجل أيضا في لغتهم قوام أمره فإذا زال ذلك عنه قالوا ثل عرشه ، وللعنق عرشان وهما لحمتان مستطيلتان فيهما الأخدعان فإذا قطعا مات الإنسان ، والعرش في ظاهر القدم ما بين العير والأصابع والعير العظم الناتئ في ظاهر القدم فعرش القدم صدرها الّذي يعتمد بأسفله على الأرض ، ويقولون للرجل الّذي يلجأ إليه ويستظل به على ما ذكرنا عرش فكأن جميع ما في اللغة أنه عرش هو قوام الأمر وما به الحياة وما عليه الاعتماد وما يستظل به ويلجأ إليه ، وكذلك جاء في التأويل أن العرش دين اللّه الّذي تضمنته دعوة الحق ، والدعوة في ذاتها عرش لأنها الدين الخالص ، فدين اللّه هو قوام الأمر وبه تكون الحياة الدائمة في الدار الآخرة ويستظل وإليه يلجأ ، فترك المشبهون أعداء اللّه هذا المعروف من لسان العرب ولغتها في العرش أن يتأولوا عليه ما ذكر اللّه فيه العرش في كتابه ، واقتصروا على أن العرش سرير ، وأن اللّه جالس عليه كما يصفون المخلوقين ، تعالى اللّه عن قولهم علوّا كبيرا . وقد جاء في الظاهر عن الصادق صلى اللّه عليه وسلم أن رجلا من شيعته سأله عن قول اللّه عز وجل : « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » « 2 » وقوله : « وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ » فقال له ما يقول هؤلاء الملاعين ، قال يقولون إن اللّه خلق عرشه ثم استوى عليه ، فضرب جبهته بيده ثم قال لا إله إلا اللّه من زعم أن اللّه يحمله شيء من خلقه فقد زعم أن الّذي يحمله أقوى منه ، ثم قال للسائل فما يقولون في قوله تعالى : وكان عرشه على الماء ، قال يقولون إن العرش كان على الماء والرب فوقه فقال كذبوا ، عليهم لعنة اللّه ، إن اللّه حمل دينه على الماء وهو عرشه ، والماء العلم عرشه على أوليائه فالعرش في التأويل ما ذكرنا وظله ما ستر المؤمنين العاملين به من عذاب اللّه وسخطه واستظلالهم به
--> ( 1 ) سورة الفرقان : 45 . ( 2 ) سورة طه : 5 .